القرطبي
124
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
والكوفيون : هو نصب على الاغراء ، أي الزموا كتاب الله ، أو عليكم كتاب الله . وفيه نظر على ما ذكره أبو علي ، فإن الاغراء لا يجوز فيه تقديم المنصوب على حرف الاغراء ، فلا يقال : زيدا عليك ، أو زيدا دونك ، بل يقال : عليك زيدا ودونك عمرا ، وهذا الذي قاله صحيح على أن يكون منصوبا ب ( عليكم ) ، وأما على تقدير حذف الفعل فيجوز . ويجوز الرفع على معنى هذا كتاب الله وفرضة : وقرأ أبو حياة ومحمد بن السميقع ( كتب الله يليكم ) على الفعل الماضي المسند إلى اسم الله تعالى ، والمعنى كتب الله عليكم ما قصه من التحريم . وقال عبيدة السلماني وغيره : قوله ( كتاب الله عليكم ) إشارة إلى ما ثبت في القرآن من قوله تعالى : ( مثنى وثلاث ورباع ) وفي هذا بعد ، والأظهر أن قوله : ( كتاب الله عليكم ) إنما هو إشارة إلى التحريم الحاجز بين الناس وبين ما كانت العرب تفعله . الرابعة - قوله تعالى : ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص ( وأحل لكم ) ردا على ( حرمت عليكم ) . الباقون بالفتح ردا على قوله تعالى : ( كتاب الله عليكم ) . وهذا يقتضي ألا يحرم من النساء إلا من ذكر ، وليس كذلك ، فإن الله تعالى قد حرم على لسان نبيه من لم يذكر في الآية فيضم إليها ، قال الله تعالى : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ( 1 ) ) . روى مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها ) . وقال ابن شهاب : فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة ، وقد قيل : إن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها متلقى من الآية نفسها ، لان الله تعالى حرم الجمع بين الأختين ، والجمع بين المرأة وعمتها في معنى الجمع بين الأختين ، أو لان الخالة في معنى الوالدة والعمة في معنى الوالد . والصحيح الأول ، لان الكتاب والسنة كالشئ الواحد ، فكأنه قال : أحللت لكم ما وراء ما ذكرنا في الكتاب ، وما وراء ما أكملت به البيان على لسان محمد عليه السلام . وقول ابن شهاب : ( فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة ) إنما صار إلى ذلك لأنه حمل الخالة والعمة على العموم وتم له ذلك ، لان العمة اسم لكل أنثى شاركت أباك في أصليه أو في أحدهما والخالة كذلك كما بيناه .
--> ( 1 ) راجع ج 18 ص 10